ابن تيمية

32

مجموعة الفتاوى

الَّذِينَ يُسَمُّونَهُمْ الْأَوْلِيَاءَ مَنْ عَلِمَهَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مِن الفَلَاسِفَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِن المُرْسَلِينَ . وَهَذِهِ مَقَالَةُ غُلَاةِ الْمُلْحِدِينَ مِن الفَلَاسِفَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ : بَاطِنِيَّةِ الشِّيعَةِ وَبَاطِنِيَّةِ الصُّوفِيَّةِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : بَلْ الرَّسُولُ عَلِمَهَا لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْهَا وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِمَا يُنَاقِضُهَا وَأَرَادَ مِن الخَلْقِ فَهْمَ مَا يُنَاقِضُهَا ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْخَلْقِ فِي هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ الَّتِي لَا تُطَابِقُ الْحَقَّ . وَيَقُولُ هَؤُلَاءِ : يَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إلَى اعْتِقَادِ التَّجْسِيمِ مَعَ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَإِلَى اعْتِقَادِ مَعَادِ الْأَبْدَانِ مَعَ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ . قَالُوا : لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ دَعْوَةُ الْخَلْقِ إلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الْكَذِبَ لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ . فَهَذَا قَوْلُ هَؤُلَاءِ فِي نُصُوصِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . ( وَأَمَّا الْأَعْمَالُ فَمِنْهُمْ مَنْ يُقِرُّهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يُجْرِيهَا هَذَا الْمَجْرَى . وَيَقُولُ : إنَّمَا يُؤْمَرُ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ وَيُؤْمَرُ بِهَا الْعَامَّةُ دُونَ الْخَاصَّةِ فَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْبَاطِنِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ والْإِسْمَاعِيلِيَّة وَنَحْوِهِمْ . ( وَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَيَقُولُونَ : إنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي الصِّفَاتِ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الرَّسُولُ أَنْ يَعْتَقِدَ النَّاسُ الْبَاطِلَ وَلَكِنْ قَصَدَ بِهَا مَعَانِيَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ تِلْكَ الْمَعَانِيَ وَلَا دَلَّهُمْ عَلَيْهَا ؛ وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرُوا فَيَعْرِفُوا الْحَقَّ بِعُقُولِهِمْ ثُمَّ يَجْتَهِدُوا فِي صَرْفِ تِلْكَ النُّصُوصِ عَنْ مَدْلُولِهَا وَمَقْصُودُهُ امْتِحَانُهُمْ وَتَكْلِيفُهُمْ